شارك
|

"محمد زيتون".."الطوربيد البشري السوري يفوز من جديد ببطولة العالم للسباحة الطويلة"

تاريخ النشر : 2015-09-12

ثلاثة وعشرون عاماً فقط عاشها البطل السوري "محمد زيتون" كانت كافية لوضعه على عرش السباحة العالمية لسنوات حطم خلالها أفضل الأرقام القياسية ما جعله أسطورة للسباحة وبطلاً سورياً رفع اسم العرب عالياً في سماء العالم فانحنت أمامه الرؤوس ولقبه الأبطال بألقاب عديدة مازال الناس يذكرونها حتى يومنا هذا مثل "البطل المعجزة، النفاثة المائية، الطوربيد البشري، تمساح النيل والسندباد الأصغر".


ولد البطل "زيتون" عام "1941" في جزيرة "أرواد" التي كان يعمل والده فيها وعمل بحاراً صغيراً وهو لم يتجاوز بعد السابعة من عمره فتعلم أبجدية البحر قبل اللغة.
عندما كان في العاشرة من عمره دخلت والدته المستشفى نتيجة مرض تعرضت له وكان حينها يعيش في جزيرة أرواد والمستشفى كان في مدينة "طرطوس" ووالده مضطر للذهاب إلى أمه كي يأخذ لها الدواء، وقبل أن ينطلق والده تعلق به "محمد" وأجبره على أخذه معه سباحة لأن الظروف الجوية يومها كانت تمنع القوارب من الإبحار، وبالفعل ذهب الولد مع أبيه سباحة ولم يخشَ ركوب البحر بل كان يموج معه مثل السمكة معلناً ولادة بطلٍ جديد سيخلّد التاريخ اسمه طويلاً.


لم تكن حياة "زيتون" حياةً مفروشةً بالورود بل كانت حياةً صعبةً ملأى بالعذاب بدأها في "أرواد" ثمّ انتقل إلى "جبلة" هذه المرحلة يتحدث عنها شقيقه "عبد الوهاب" بالقول: «بدأ السباح حياته في جزيرة "أرواد" قبل أن يعود مع أسرته إلى مسقط رأس العائلة في مدينة "جبلة" التي عمل فيها بنّاءً عند كبير البنّائين في ذلك الوقت "أبو عبد الهادي عكرمة"، لكن زنوده القوية دفعته لترك المهنة والاتجاه نحو العمل بالحدادة عند "أبي علي صالح"، عمله المنفصل عن البحر لم يمنعه من زيارته بشكل يومي فكان يعرج عليه كل يوم ويستحم بمائه المالح ويجري فيه شوطاً من السباحة قبل أن يعود إلى منزله، في هذه الفترة كان "محمد" يستغل وقت فراغه بالسباحة وكان إذا ضاع قالت والدته "ابحثوا عنه في البحر"، عشقه للبحر دفعه للاقتراب منه أكثر والاحتكاك به بشكل يومي فقرر العمل صياداً عند السيد "سعيد البربور" فكان يقصد معه أقاصي البحر كل يوم يصيدون ما استطاعوا ويعودون أدراجهم إلى الشاطئ لكن "الزيتون" كان يرفض العودة على ظهر القارب بل كان يعود سباحة مهما كانت الظروف الجوية صعبة ومعقدة، ومع مرور الزمن ومع تطوّر السباح "زيتون" صار يتمرن كل يوم بجر القارب من أقاصي البحر إلى الشاطئ وهو يربطه بخصره».


كانت الوحدة بين سورية ومصر نقطة تحول استراتيجي في حياة البطل الذي استغل أفراحها وشارك في سباق المسافات الطويلة الذي أقيم احتفالاً بها وحقق فيه المركز الأول، قبل هذا السباق كان قد جرى سباق الجمهورية العربية المتحدة وكان "زيتون" مكلّفاً فيه بمرافقة البطل العربي "منير ديب العلي" من على ظهر
قصي زيتون القارب، لكن "زيتون" الذي ولد في البحر وعشقه رفض الاستمرار على ظهر القارب فقفز إلى الماء وأخذ يسبح إلى جانب السباح "العلي" ويشد من أزره ويرفع معنوياته مما أثار حفيظة لجنة التحكيم التي طالبت بإخراجه رغم إعجابها به، حيث قال عنه رئيس لجنة التحكيم المصري حينها (ده هايل تطلع منه حاجة كبيرة) ومنذ ذلك اليوم قرر "زيتون" أن يصبح سباحاً مشهوراً يحرز البطولات ويحصد الكؤوس والميداليات.
مرّ الوقت مسرعاً وخلال عام واحد أخذت صور "محمد" تتصدر المجلات والصحف رغم أنه كان السباح الأصغر سناً في العالم، والسباح الذي يتدرب وحيداً ويتسلح بالإرادة في مواجهة معارضة والده الشديدة.


ويقول شقيقه: «كل ضغوطات الأب ومحاولاته لإبعاد "زيتون" عن البحر لم تمنعه من المشاركة في بطولة الجمهورية عام "1959" والظفر بها، ومن ثم الانضمام لنادي "الحرية" في محافظة "اللاذقية" والمشاركة في بطولة الإقليم الشمالي للقدرة والتحمل داخل المياه الباردة في المسبح وتحقيق المركز الأول بجدارة كبيرة وفروق هائلة عن بقية منافسيه مما دفع الصحف المحلية لوضع عنوان على صفحتها الرئيسية "محمد زيتون أمل العرب جميعاً".


تفوقه في بطولة التحمل أهـّله للمشاركة في بطولة الجمهورية المتحدة عام "1959" لكنه تعرض لإصابة (انفجر الخراج أو ما يسمى عروس الإبط) قبل نهاية السباق بعشرة كيلومترات فتابع السباق بيد واحدة حتى النهاية محققاً المركز الثالث، لكن لجنة التحكيم ونظراً لإصابته البالغة وأنه كان متقدماً بفارق كبير على بقية المشاركين قبل التعرض لها قررت منحه المركز الأول مكرراً».
بعد هذا التفوق أصبح "زيتون" اسماً لامعاً في عالم السباحة العربية وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر بعد، مما أجبر المسؤولين على ضمه إلى بعثة الجمهورية المشاركة في السباق العربي "صيدا بيروت" لمسافة "42" كم، فكان الفوز من نصيب سباحنا الصغير ليتقلد جوائز السباق بعدما حقق المركز الأول على الرغم من تعرضه للإصابة نتيجة صدمه من قبل أحد القوارب أثناء السباق، كما أنه حقق رقماً قياسياً وقتها وهو "تسع ساعات وخمسة وخمسين دقيقة".


عام "1959" كان عام "زيتون" بامتياز فعلى الرغم من سوء الحظ الذي رافقه حتى في بطولة العالم "كابري نابولي" عندما سبح مسافة "12" كم فوق مسافة السباق إلا أنه حقق حينها المركز الثالث الذي أجبر جميع المشاركين على الانحناء احتراماً لهذا البطل الظاهرة الذي حقق في نفس السباق المركز الأول هواة.
حلم بطولة العالم دفع "زيتون" للعودة مرة أخرى إليها في عام "1960" والمشاركة فيها والتفوق على الجميع .
وتحقيق بطولة العالم هواة ومحترفين وهو أصغر السباحين سناً، هذا الإنجاز غير المسبوق دفع الرئيس "جمال عبد الناصر" رئيس جمهورية الوحدة في تلك الأيام إلى منح البطل "زيتون" وسام الاستحقاق وتعيينه برتبة ملازم شرف في سلاح البحرية.


مفاجأة عام "1960" تحولت إلى توقعات في عام "1961" كما حدثنا شقيقه "عبد الوهاب" وأضاف: «كان الجميع في إيطاليا ينتظرون قدوم البطل "زيتون" للمشاركة في بطولة العالم والظفر بلقبها، كيف لا وهو صاحب ذهبية العام الماضي، توقعات الجميع تحولت إلى حقيقة مع الساعات الأولى لبدء السباق عندما تمكن "زيتون" من التفوق على الجميع وتجاوزهم بأشواط حتى الوصول إلى خط النهاية وتحطيم الرقم القياسي للمسابقة مما دفع راديو "لندن" حينها للقول عنه: "الطوربيد البشري السوري يفوز من جديد ببطولة العالم للسباحة الطويلة في نابولي ويسجل رقما قياسياً خيالياً" في هذا السباق شارك "زيتون" كلاعب محترف بناءً على طلب المسؤولين والأصدقاء مع العلم أنه في السباقات الماضية كان يشارك بصفة هاوٍ لكنه كان يتفوق على الهواة والمحترفين.


تكرار الإنجاز والعودة بالذهب يحتاج استقبالاً كالذهب في أرض الوطن لذلك قرر الرئيس "جمال عبد الناصر" منحه وسام الشرف من الدرجة الممتازة وترقيته لرتبة ملازم أول شرف في سلاح البحرية.
بقي ذلك الفتى البسيط المتواضع الذي يعمل بالبناء والحدادة حتى أنه في أحد الأيام وبعد عودته من بطولة العالم قام بزيارة معلمه لمهنة البناء في إحدى ورشات العمل فرآه يعمل وحيداً فرفع عن يديه وأخذ يساعده كأنه لم يترك المهنة يوماً، كما أن شخصيته البسيطة والقريبة من القلب جعلته معشوق المصريين الذين قاموا بتسمية جامع وحديقة باسمه وجعلوا من حياته قصة تدرّس في المناهج التعليمية في بادرة لم تحدث حتى في وطنه.


آخر بطولة شارك فيه كانت سباق الإسكندرية الدولي عام "1964" وحصد منها مبلغاً من المال ضمّهُ إلى ما كان قد جمعه في البطولات السابقة واشترى به سيارة من نوع "أولدز موبيل" التي قال عنها
عبد الوهاب زيتون شقيق السباح محمدكان يحلم باقتنائها لكنه لم يكن يعلم أنها ستكون سبب موته، حيث توفي في الثامن والعشرين من شهر أيلول لعام "1964" إثر حادث سير أليم على ضفاف قناة السويس أثناء توجهه للمشاركة في سباق القناة الدولي ومعه صديقه السباح "سيد عبد الجليل" وأربعة آخرون قضوا معه في الحادث، بعد وفاته أقيمت له جنازة تليق بالأبطال ودفن في مدينته "جبلة" على الكورنيش البحري وسمي شارع ومسبح باسمه.


لم يكن البطل "محمد زيتون" سباحاً عادياً بل كان أسطورة حقيقة فهو السباح الوحيد الذي كان يقول بعد كل سباق أنه مستعدٌ للعودة إلى الماء مرة أخرى وسباحة نفس المسافة، وفي بطولة العالم طبق قوله فعلاً عندما اتجه بالاتجاه المعاكس للسباق حتى وصل إلى جانب صديقه السباح "عبد اللطيف أبو الهيف" وسبح إلى جانبه وتمكن من الفوز ببطولة العالم رغم ما فعله، فهل ستلد النساء يوماً بطلاً مثل "محمد زيتون"؟؟


عدد القراءات: 4752