شارك
|

إنخيدوانا: أول شاعرة في التاريخ – كبيرة الكهنة

تاريخ النشر : 2015-09-11

انخيدوانا (2285-2250 ق م) اسمها إنخيدوانا (Enheduana) أو إن-هيدو-انا (En-hedu-ana أو EnHeduAnna) و(إن معناها الكاهن الأعلى، و هيدو معناها زينة , ومعناها زينة الكاهن الأعلى للإله آن وأن هو اسم يشير إلى الالهة نانا(سين) الهة القمر )
هي أميرة أكادية وكاهنة الاعلى للإله نانا إله القمر عند السومريين في مدينة أور، وبما أنها كانت كاهنة عليا فكانت تمتلك دور سياسي قوي من البنات الملكيات، إنخيدوانا هي عمة الملك الأكادي نرام سين وهي إحدى أقدم النساء المعروفات عند ذلك الوقت من التأريخ.


يعتبرها العلماء و الادباء أقدم امرأة كاتبة و شاعرة, إنخيدوانا وصلت إلى أعلى رتبة كهنوتية في الالف الثالث قبل الميلاد , وكان لها دور زمن حكم أبيها سرجون الأول وزمن أمها الملكة تاشلولتوم, وكان لها أعمال و أشعار أدبية عن الإلهة إنانا وعن الآلهة السومرية الأخرى.


إنخيدوانا بما أنها كانت كبيرة الكهنة فكانت داهية سياسية فحركت أبيها سرجون للبناء في جنوب بلاد سومر وتحديداً في مدينة أور وان تكون أميرة وحاكمة لهذه المدينة.
استمرت بوضعها المركزي أيضا خلال بداية عهد حكم أخيها ريموش، لكن في عهد ريموش عرفت بعض المناطق السومرية تمردات ضد حكم أخيها ريموش فطردت من مكانتها، لكنها عادت اليها خلال حكم ابن أخيها نرام سين وكان لها دور في اقناع الجنوب السومري بإعادة حكم الاكاديين عليهم وبعد فترة قصيرة من ذلك ماتت.


كانت إنخيدوانا أول امرأة تشغل منصب كبيرة الكهَنة في عهد أبيها، الملك السومري سرجون الأول، الذي وحّد مملكتي سومر وأكاد في جنوب وشمال بلاد ما بين النهرين. والدتها سومرية من جنوب العراق، وربما كانت كاهنة هي الأخرى. ويُقال إن سرجون الأول دوّن الكلمات التالية على إحدى الرُقم الطينية شارحاً قصةَ مولده: والدتي الكاهنة حملتني جنيناً، وأنجبتني سرّاً، ووضعتني على فُلكٍ من ورق البرُدي، وأحكمت رتاج الباب. حملني النهر إلى فلاح اسمه أكّي، الذي رباني كابنه. .. خلال عملي في عزق الحدائق، رأتني عشتار وأحبتني. وعلى مدى أربع وخمسين عاماً كان الملُكُ لي
إنخيدوانا كما هو معروف في الادلة الاثرية و النصية حملت اسم ختمين من وكلائها خلال العصر السرجوني، منها في المقبرة الملكية في أور، وأخرى على قرص الأباستير عند التنقيب عنه في موقع جيبار في مدينة أور الأثرية , حيث يذكر أنها الكاهنة العليا للإله آن .
عملها الادب:
تُعتبَرُ أغاني الشاعرة السومرية إنخيدوانا أقدم أثر أدبي معروف في التاريخ الإنساني. هذه الأغاني المكتوبة على الرُقم المسمارية قبل 4300 سنة خرجت من أرض العراق، حاملةً نكهة حضارةٍ عريقة، وعاكسةً الوعي الجمعي لبقعة من الأرض تعاقب عليها أكثر من غزو، وأكثر من زلزال، وأكثر من هولاكو. لكن برق أنخيدوانا ظل ساطعاً، يشهد على عظمة الكلمة وديمومتها، وعلى سموّ الحرف وعنفوانه، ويشهد أيضاً على عراقٍ موغل في الزمن، موغل في الطين والهواء والنار والماء، عراق كلكامش وأبي نواس والسياب.
إن أغاني إنخيدوانا البالغ عددها 45 أغنية، كتبت الشاعرة ثلاث تراتيل طويلة في مديح الإلهة إنانا. وبالرغم من أنها ولدت في أكّاد، إلا أن إنخيدوانا كتبت باللغة السومرية التي شرّعها الملك سرغون في المدينة السومرية أور. إنانا، المعروفة بنجمة فينوس، هي إلهة الحب والحرب لدى السومريين، وهي تتماهى مع الإلهة الأكّادية عشتار. وكانت الشاعرة إنخيدوانا تخدم إلهَ القمر نانا، والد إنانا.
تُعتبر إنخيدوانا شخصية بطولية وعرفانية في آن واحد، وقد بدأت صورتها تستحوذ على المخيال الأدبي المعاصر مع بروز نظريات النقد النسوي، وإحياء صورة الأنثى في العصور الخوالي. وكان دورها كأميرة وكاهنة وشاعرة يُعتبر سابقةً في التاريخ السومري الذي استمر لخمسة قرون لاحقة. في تراتيلها للإلهة إنانا تحكي الشاعرة إنخيدوانا قصة نفيها ومن ثمّ العفو عنها على يد الإلهة إنانا نفسها. وقد أصبحت التراتيل جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الأسطوري لبلاد سومر.


في أحد المقاطع الأكثر قوة في آداب التاريخ القديم، نرى إنخيدوانا تتحدث بلسان الأنا في قصيدتها (تسبيح من أجل إنانا). وتتحدث عن كيفية كتابتها للترتيلة، وعن الجمر الذي كانت تشعله بعد منتصف الليل، ويمنحها الإلهام، حيث كانت تؤلف على وهجه أغانيها. ومما يدلّ على فرادة صوتها هو محاولتها الدمج بين ذاتها الشعرية وبين الإلهة إنانا، بحيث تصبحان شخصية واحدة، ومن خلال هذا التماهي والإندغام، تولد الترتيلة، كأنما نُفخت فيها الروح. ونجد أن إنانا وإنخيدوانا يؤلفان معاً مركز وبؤرة القصيدة.


قصيدة (تسبيح من أجل إنانا) تتألف من 153 بيتاً، ويمكن قراءتها عمودياً وأفقياً. تبدأ الترتيلة بوصف مطوّل، يتخلّله حشدٌ من الصفات والنعوت التي ترسم بشفافية عالية شخصية الإلهة إنانا، وقد رُتبت النعوت وفقاً لنسق مدروسٍ بحيث تقدم للقارئ صورةً جليةً عن التنوع المدهش لنشاطات الإلهة-الملكة. وإنخيدوانا تشير بشكل مضمر إلى أن إنانا على سوية واحدة مع الإله (آن)، كبير الآلهة لدى السومريين. وتنتقل الشاعرة إلى تصوير إنانا وهي "تؤدّب" الجنس البشري بوصفها إلهة الحرب والمعارك. وهي بذلك تدمج بين الصفات الحربية لعشتار الأكّادية، وتلك الخصائص اللطيفة التي تميّز إلهةَ الحب والخصوبة لدى السومريين. وهي تشبّه إنانا بطائر العاصفة الذي ينقضّ على الآلهة الآخرين ويشتّت شملهم ويفرّقهم كالخفافيش. وتنتقل إنخيدوانا لتصف أمجادها الماضية، مستخدمةً ضمير المتكلم، وذلك في أكثر مقاطع القصيدة جمالاً ومتعة. كما أنها تكتب عن معاناتها في المنفى بعد أن نُفيت ككبيرة للكهنة من المعبد في مدينة أور، ومن أوروك، إلى السهوب القاحلة. وتروح تتوسّل لإله القمر، نانا، للتوسط من أجلها.


في الأبيات 122-135 تصل الترنيمة الطويلة ذروتها حيث تركّز الشاعرة على الخصائص الإلهية لإنانا، رافعةً من شأنها إلى مرتبة كبير الآلهة (آن). في الأبيات 143-150، تعود الشاعرة إلى ضمير الغائب في سياق تمجيدها وتسبيحها لإلهة الحب والحرب. غير أن صوت الشاعرة يحفر حضوره قوياً، آسراً، في أذهاننا، تصدمنا حداثته، وتدهشنا نبرته الشخصانية العميقة. صوتُ إنخيدوانا يؤسّس للأنا الشعرية في عراكها الأزلي مع قوى الكون وأسراره، مثلما ينكشف وينفتح على الذات الفردية وجوّانيتها المعتمة. صوت إنخيدوانا لا يضاهى في التاريخ القديم، ربما حتى مجيء الشاعرة الإغريقية سافو بعد أكثر من ألف وسبع مائة سنة.


( تسبيح من أجل إنانا)
….
يا ملكة كل شيء، أيتها الضوء المتوهّج
أيتها المرأة الواهبة للحياة،

أنتِ يا من تجلبين الطوفان من الجبل،
أيتها الشاهقة، يا إنانا السماء والأرض،
يا من تمطرين ناراً ملتهبة على القفار
يا من بعثها إليّ الإلهُ (آن)،
أيتها الملكة التي تمتطي الوحوشَ
والتي نطقت بالكلمات المقدسة
تنفيذاً لأوامر (آن) المقدسة،
من يستطيع أن يسبرَ شعائركِ المقدسة!
يا مدمّرة الأراضي الأجنبية
منحتِ الأجنحةَ للعاصفة،
حبيبة (أنليل)- وجعلتها تهبّ على الكون،
وحملتِ أوامر (آن).
مليكتي،
الأراضي الغريبة تطأطأ أمام صرختكِ،
رعباً وخوفاً من الريح الجنوبية أتى البشرُ
إليكِ بضجيجهم الملتاع
حملوا صراخهم إليكِ
ووقفوا أمامك يولولون وينتحبون
وأمامكِ جلبوا النحيبَ العظيم لشوارع المدينة.

مليكتي،
أنتِ الافتراسُ كلّه في قوّتكِ
وظللتِ تهاجمين مثل ريح مهاجمِة،
وظللتِ تعولين أعلى من الريح المعولة،
وظللتِ ترعدين أعلى من الرعد،
وظللتِ تئنّين أعلى من الرياح الخبيثة،
قدماكِ لا يمكن أن يصيبهما الإعياء
وجعلتِ الولولة تُعزف على "قيثارة النحيب."
مليكتي،
جميع الآلهة العظام
فروا أمامكِ مثل خفافيش مرفرفة،
لم يستطيعوا الوقوف أمام وجهك المهيب،
لم يستطيعوا الاقتراب من جبينكِ المهيب،
من يستطيع أن يهدّئ قلبكِ الغاضب!
قلبكِ المهلِك لا يمكن تهدئته!
أيتها الملكة، يا سعيدة الروح، يا فرِحة القلب،
يا من لا يمكن تهدئة غضبها، يا ابنة الإثم،
يا ملكة، يا الحاكمة المُطلَقة في البلاد،
من قدّم ولاءً كافياً لكِ!
الجبل الذي امتنع عن تقديم الولاء لكِ
يبست أعشابه وصارت قاحلة،
أضرمتِ النارَ ببواباته العظيمة،
أنهارُه جرت دماً بسببكِ،
وناسُه نشفَت مياههم،
جيشهُ انقادَ طواعيةً إلى الأسر أمامكِ،
قواته تفرّق شملها طواعيةً أمامكِ،
ورجاله الأقوياء طواعيةً خرّوا أمامكِ،
أماكن اللهو في مدنه امتلأت بالفوضى
ورجاله البالغون سيقوا كأسرى أمامك.

يا ملكة الملكات العظيمات،
يا من أصبحت أعظم من أمك التي أنجبتكِ
لحظةَ خرجتِ من الرّحم المقدس،
عارفة، حكيمة، وملكة على كل البقاع،
يا من ضاعفتِ كل المخلوقات الحية والبشر-
لقد نطقتُ بأغنيتكِ المقدّسة.
أيتها الإلهة الواهبة للحياة، المولودة للألوهة،
يا من أسبّح تهليلها،
الرحيمة، المرأة الواهبة للحياة، يا مشعّة القلب،
لقد نطقتُ بأغنيتي أمامك حسب ما يناسبُ ألوهتكِ
دخلتُ أمامكِ إلى معبدي المقدس،
أنا الكاهنة، إنخيدوانا،
حاملةً سلّة البخور، أنشدُ ترنيمتكِ السعيدة،
لكنني الآن لم أعد أسكن المعبد المقدس الذي شيدته يداك.
أتى النهار، وجلدتني الشمس
وأتى ظلّ الليل، وأغرقتني الريح الجنوبية
صوتي الرخيم الحلو كالعسل صار نشازاً
وكل ما أعطاني المتعة تحول إلى غبار.
آه، أيها الإثم، يا ملك السماء، يا قدري المرير،
إلى الإله (آن) بلّغي شكواي، و(آن) سوف يخلّصني

أنا إنخيدوانا، أتضرّع إليك، إنانا،
ودموعي مثل شراب حلو.

أنا، من أنا بين المخلوقات البريّة!

أه، أيتها الملكة التي ابتكرت النواح
مركبُ النواح سيرسو في أرض معادية
وهناك سأموت، أنشدُ الأغنية المقدسة.

أوه، إنانا، المجدُ لكِ!


عدد القراءات: 3556