شارك
|

جرجي جبرائيل بيطـار .. مبتكر فنّ الموزاييك 1840 – 1935

تاريخ النشر : 2015-08-08

تطعيم الخشب أو الموزاييك فن خاص وحرفة مميزة ولدت على يد ابن الحارة الجوانية في حي باب توما بدمشق جرجي جبرائيل بيطار عام 1860

 

حاول جبرائيل بيطار الأب ان يعلم ابنه جرجي صنعة البيطرة حرفة الأجداد (بيطارباشي)، ولكنه أنِسَ من ابنه ميلاً فطرياً إلى النجارة..فكان يذهب الى سوق النجارين ويبتاع عدد نجارة عتيقة لاصلاح الأبواب والشبابيك. ولما تحقق والده من نجاح ابنه الباهر في تلك الصنعة الجديدة، فتح له قبل سنة 1859 حانوتاً صغيراً في الحارة الجوانية..كتب البيطار في ذكرياته " إن ميلي للنجارة كان قوياً جداً جداً".

 

وكان أول عمل يقوم به في التاسعة عشرة من عمره اصلاحات في دير الفرنسيسكان في باب توما وخزانة للدير وباب لاحدى قاعات الدير.

 

وهكذا اخترع البيطار هذا الفن: اتفق له أن رأى في باحة الدير شجرة ليمون يابسة، فقطعها وفحص لون قلبها، فوجده أصفر كلون الكهرمان جميل المنظر. ثم نشرها قطعاً صغيرة ونزع قشورها وفصّلها بأقيسة وهيئات مختلفة. وحفر لوحاً من الجوز الغامق اللون ونزّل فيه قطع الليمون فجاءت جميلة الالتئام فصنع من لب الليمون عروقاً وزهوراً بأشكال هندسية دقيقة تشبه التخريم، وكان في بداية عهده يقطع خشب الليمون قطعة قطعة وينزلها بيده في الجوز المحفور وقد توصل إلى اصطناع قوالب من الجوز الصلب حفر فيها هيئات بشكل مسطرة طولها عشر سنتيمترات وسمكها سنتيمتر ونصف سنتيمتر وربع سنتيمتر وبدأ ينشر خشب الليمون أو المشمش الأحمر وينزله في الجوز المحفور ثم ينحته نحتاً محكماً فيضحي بمتانته كأنه مع خشب الجوز شيء واحد.

 

ومن أهم أعماله روائع فنية من الموزاييك باقية حتى اليوم في الكنيسة الكاتدرائية في حارة الزيتون بباب توما وهي منابر في صحن الكاتدرائية وكراسي داخل الكاتدرائية. ناهيك عن أشغاله في بعض البيوت الدمشقية الغنية ذات الهندسة العربية الأصيلة.

 

لقد هامَ البيطار الشاب بصنعته وانتشرت شهرته في الشام وأصبح محط آمال طالبي العمل فاضطر لتوسيع ميدان شغله وأصبحت صناعته طابعاً خاصاً بمدينة دمشق والقطر السوري كله. وتخطت شهرته بلاد الشام فوصلت إلى أوروبا.

 

اشتغل البيطار صندوقة ذات جوارير أهداها إلى متحف دير المخلص في صيدا ، وكذلك مكتبة دير المخلص بدرجها الحلزوني وأروقتها من خشب الجوز المنزّل فيه عروق عام 1883.
وسرعان ما طارت شهرته بعد أن اشتغل لقنصل النمسا بدمشق مكتباً كاملاً عُرِض في معرض فيينا الصناعي سنة 1891، ثم سافر الى باريس حيث اشتغل واجهة كنيسة القديس يوليانوس بطوابقها الأربعة.

 

وفي عام 1895 استدعاه سعيد باشا والي دمشق وطلب منه هدية نفيسة من الموزاييك للسلطان عبد الحميد بمناسبة المعرض الصناعي في اسطنبول وكلفه بنقلها الى اسطنبول وتألفت الهدية من خمسين قطعة من خزائن ومكاتب وطقم كراسي كامل. وكان لهذه الهدية تقدير عظيم من السلطان فأنعم عليه بوسام المجيدي الخامس وميدالية الافتخار الفضية وهي بمنزلة براءة اختراع الآن، فأضحى "موزايقجي الحضرة الشاهانية".

 

بعدها نال الجائزة الأولى في المصوغات الخشبية في معرض مصر سنة 1904 من لجنة الجمعية الزراعية الخديوية.
إلى روما توجه البيطار عام 1908 حاملاً معه الخزانة المهداة إلى البابا بيوس العاشر لتكون أعظم وأجمل هدية في الفاتيكان.

 

تخرج من مدرسة البيطار عدد كبير من الحرفيين اللذين أبدعوا بهذا الفن الدمشقي الأصيل ففتحوا حوانيت وورش وعلموا ودربوا عشرات الحرفيين في هذه الصناعة الدمشقية وبين العامين 1920 و 1940 بلغ عدد العاملين في هذه الحرفة اكثر من 1000 شخص. وانطلاقاً من عام 1950 أخذت هذه الصناعة بالتطور واستعمل فيها الخشب الملون من الجوز والمشمش والزيتون والليمون والكينا. وباتت منتشرة في المناطق الدمشقية، لها روّادها ومحبّيها وجمعية حرفية تأسست عام 1970 ودخلت الماكينة في ترتيب العمل بدقّة متناهية، وأضحت القطع الموزاييكية تعرض في أجود وأفخر الصالونات.


عدد القراءات: 6687

اخر الأخبار