شارك
|

المكتبة الظاهرية.. صرح حضاري عريق وينبوع علم لا ينضب

تاريخ النشر : 2023-04-10

 

في دمشق القديمة، وفي شارع ضيق معبد بالحجر البازلتي الأسود، وإلى جانب العديد من الأوابد الأثرية والمباني القديمة، ينتصب بناء حجري بازلتي عريق، مصمم بخطوط مرسومة بمنتهى الدقة والاتقان، ألا وهو دار المكتبة الظاهرية..

 

 

من أقدم المكتبات في مدينة دمشق، ومن أهم المكتبات العربية أيضا، تأسست من قبل الظاهر بيبرس عام 676 هجرية، وتقع ضمن المدرسة الظاهرية الكائنة في باب البريد قبالة المدرسة العادلية الكبرى وجانب المسجد الأموي في دمشق القديمة.

 

 


أصبحت تشكل منارة سياحية وأثرية مهمة، بأبنيتها المعمارية الجميلة، والتي يؤمها السياح من كل أنحاء العالم ليتمتعوا بروعة معمارها، وفخامة بنائها، واحتوائه على الكثير من عناصر الفن العربي ـ الإسلامي المعماري، المستوحاة بمجملها من نفس المكانة التي يحتلها المسجد الجامع، باعتباره شاهداً على قوة العصر ونفوذه.

 

 


تعد المكتبة الظاهرية من أغزر المكتبات في العالم الإسلامي بل وفي العالم أجمع لما تضمه بين جنباتها من تراث العالم. حيث تضم نفائس المخطوطات والكتب والمراجع، ونقل إليها العديد من المكتبات الأخرى على مر السنين.

 

 

وتمت عملية الجمع في نهاية القرن التاسع عشر، في عهد ولاية مدحت باشا ثم حمدي باشا، وذلك بفضل نشاط الشيخ طاهر الجزائري وسليم البخاري ومجموعة من العلماء الدمشقيين الذين أرادوا أن تحفظ جميع المخطوطات في مكان واحد، خوفا من ضياعها ولزيادة الاستفادة منها، وتم لهذه الغاية تأسيس المكتبة العمومية التي جمعت فيها المخطوطات من عشر من المكتبات الخاصة، واتخذ من تربة الملك الظاهر مكاناً لها لتسمى بعد ذلك باسم المكتبة الظاهرية.

 


 المكتبات التي تم جمع مخطوطات المكتبة الظاهرية منها


1-المكتبة العمرية: ومكانها في المدرسة العمرية التي أنشأها الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد المقدسي، وقد ضمت إليها مخطوطات المكتبة الضيائية فزادت محتوياتها. ولكن مجموعة من محتويات المكتبة العمرية والضيائية ضاعت ولم ينقل إلى الظاهرية منها إلا نحو 416 مجلدا.


2-مكتبة عبد الله باشا: وتضم مجموعة الكتب التي أوقفها الوزير عبد الله باشا العظم وابنه محمد باشا لطلبة العلم في المدرسة التي بناها محمد باشا سنة 1193هجرية بدمشق.


3-مكتبة سليمان باشا: وتشمل مجموعة المخطوطات التي وقفها والي دمشق سليمان باشا لأهل العلم، وجعلها في المدرسة السليمانية التي بناها عام 1150هجرية بباب البريد، وبلغ مجموع ما نُقل منها إلى الظاهرية 127مجلدا.

 

4-مكتبة الملا عثمان الكردي: وكان مقرها في المدرسة السليمانية، ونقلت إلى الظاهرية مع مجموعة كتب السليمانية، كان عدد مخطوطاتها 313 مجلدا.


5-مكتبة مراد النقشبندي (المكتبة المرادية) : التي نقلت منها إلى الظاهرية 246 مجلدا.


6-المكتبة السميساطية: وكانت في المدرسة السميساطية الكائنة شمالي الجامع الأموي، وهذه المدرسة كانت دارا لأبي القاسم علي بن محمد السلمي السميساطي. وقد ضاع العديد من مجلداتها ولم يصل للظاهرية منها إلا 78 مجلدا.


7-المكتبة الياغوشية: وكان مقرها مدرسة سياوش باشا.


8-مكتبة الخياطين: وقفها الوزير أسعد باشا العظم عام 1165هـ بعد أن جمع فيها مجموعة من الكتب وجعلها في مدرسة.


9-مكتبة الأوقاف: وقد تم جمع مجموعاتها من بقايا بعض المكتبات القديمة، وبلغ عدد مجلداتها التي نقلت إلى الظاهرية 67 مجلدا.

 

10-مكتبة بيت الخطابة: وكان مقرها في حجرة بيت الخطابة في الجامع الأموي. ولم يصل منها إلى الظاهرية إلا 73 مجلدا، وذلك بسبب الحريق الذي حدث في الجامع وأتلف الكثير من محتوياته.

 


أقسام المكتبة الظاهرية


قسم المطبوعات، قسم المخطوطات، قسم البصريات وقسم التصوير.

 

 

تلقت المكتبة الكثير من المخطوطات والكتب كهدايا، وقد بلغ عدد المخطوطات التي تلقتها الدار كهدية 4612 مخطوطاً أما المطبوعات فبلغ عددها 1206 كتاباً. بالإضافة إلى الذين أهدوا مكتباتهم للدار كمكتبة عبد الغني القادري، ومكتبة محمد طاهر أبو حرب وغيرهم.

 


الوصف المعماري للمكتبة الظاهرية

 

تضم المكتبة ثلاث قاعات وثلاثة مستودعات، كما تحتوي سابقاً على دائرة تصوير: تضم أحدث الأجهزة لتصوير الكتب والوثائق، ومن الملاحظ أن الحمام الملاصق لها من جهتها الشمالية كان من أجزاء المدرسة القديمة.

تعد المكتبة الظاهرية من أجمل ما بنى المماليك، حيث تختلف عن بقية المكتبات الدمشقية بفنها المعماري المستوحى من تقاليد الفن الأيوبي المتميز بالأحجار البيضاء والوردية المنحوتة، والجدران المزخرفة من المرمر الملون والمصدف على طريقة الفسيفساء.

 


وتعتبر من الأبنية التاريخية التي ما زالت تحتفظ بالكثير من النقوش والكتابات على جدرانها وأبوابها، ولعل واجهتي الظاهرية من أجمل ما بنى المماليك، فهما مشيدتان بالأحجار المنحوتة، وفي أعلاهما كوى مستديرة تحيط بها زخارف هندسية بديعة.

 


أما المدخل الرئيسي فهو مبني بأحجار بيضاء وصفراء، وما أن تدخل بوابة المكتبة حتى يصيبك الذهول أمام روعة هذا الفن المعماري، فهذا صرح المكتبة الظاهرية من جهة، وذاك المدرسة العادلية الكبرى فتقف للحظات متأملا سحر هذين الصرحين وروعة جمالهما.

 


ومن ثم تجتاز البوابة إلى رواق ذي أقواس محمولة على عمودين حجريين كبيرين، فتنفتح أمامك باحة خارجية فسيحة ومربعة، محاطة بجدران تنسحب إلى الأعلى تتدلى منها عرائش العنب، وتتوسطها بحيرة صغيرة، كما هو الحال في أكثر البيوت الدمشقية القديمة.

 


المدرسة العادلية الكبرى في المكتبة الظاهرية

 

تهتم بدراسة الفقه الشافعي والتي وضع أساسها السلطان نور الدين زنكي وأكمل بناءها الملك العادل الأيوبي وابنه، وقد ظلت على مدى سبعة قرون ونصف تدرس اللغة العربية، وقد قسمها الملك العادل إلى قسمين: قسم الفقه وقسم للقراءات والعلوم العربية.

وفي عهد نور الدين زنكي، أصبحت مقرا للعلماء والفقهاء، وفي عام 1920 ميلادي تأسس فيها المجمع العلمي العربي، وهو مجمع اللغة العربية اليوم قبل أن تضم للبناء المجاور لها.

 


تاريخ بناء المكتبة الظاهرية وأقسامها

 

أما بناء المكتبة الظاهرية فقد كان مدرسة، وقد شيد سنة 568هجري، وينسب بناؤه للملك الظاهر، وقد أحب أن يجعله مشابها لظاهرية القاهرة، لكنه مات قبل أن يحقق رغبته، فنفذت على يد ابنه الملك السعيد سنة 676 هجري، وكانت المدرسة تهتم بتعليم المذهب الحنفي.

 


وفي عام 1294 هجرية أصبحت المدرسة الظاهرية، مدرسة ابتدائية عامة للأطفال، ثم كان القرار العلمي الهام بتحويلها إلى مكتبة عامة في نهاية القرن التاسع عشر، في عهد ولاية مدحت وحمدي باشا، وذلك بفضل نشاط الشيخ طاهر الجزائري وسليم البخاري.

 


وتضم المكتبة ثلاث قاعات، وهي قاعة الأمير مصطفى الشهابي، وقاعة الشيخ طاهر الجزائري، وقاعة خليل مردم الخاصة بالباحثين والمؤلفين حيث توضع تحت تصرفهم كافة المراجع والمخطوطات والكتب القيمة لانجاز أبحاثهم. كما تستقبل المكتبة الطلاب من المرحلة الإعدادية حتى الجامعية.

 


ويبلغ رواد المكتبة في العام الواحد وسطيا حوالي 45 ألف طالب علم، بينما يبلغ عدد الكتب المعارة في السنة الواحدة حوالي 30 ألف كتاب. ويزورها سنويا سياح عرب وأجانب، يبلغ عددهم وسطيا 5000 سائح.

 


بلغ عدد الكتب الموجودة في المكتبة الظاهرية 72 ألف كتاب، وما يقرب من 85 ألف مجلة مقسمة إلى أصول وفروع حسب علاقتها بذلك الأصل. وهذه الأصول عبارة عن 18صنفا، تضم 53 فرعا، جميعها في الخزائن.

 


أما قسم المخطوطات فقد بلغت محتوياته 13 ألف مخطوط قديم ونادر، وتضم المكتبة كذلك قسما خاصا بالصحف والمجلات، وأمهات الكتب والدوريات والمعاجم.

 


شهدت المكتبة الظاهرية ازدهاراً وتطوراً كبيرين تمثلاً في تزايد أعداد المخطوطات النادرة، والمراجع القيمة والكتب المتنوعة والدوريات العربية، والجدير بالذكر أن المكتبة تحتضن في خزائنها مجموعات من المؤلفات فائقة الأهمية.

 


وحرصاً على تلك المؤلفات من التلف، تم نقل المخطوطات وحوالي خمسة آلاف كتاب قديم إلى مكتبة الأسد الوطنية الحديثة حيث يوجد هناك قسم متخصص بالترميم.

 


لقد مرعلى قيام المكتبة الظاهرية سبعة قرون ونيف، ولا يزال هذا الصرح الحضاري المهم يؤدي مهمته الثقافية على أكمل وجه، ويلقى العناية اللازمة من حيث التجديد والإصلاح، إضافة إلى تزويده بالجديد مما يصدر من المؤلفات والمراجع. وتبقى قناديله مضيئة في ركن عريق في دمشق القديمة، ليذكر الأجيال بماضي الأمة المجيد، وتراثها الخالد على مر السنين.

 

رزان محمد 

 

 

 

 


عدد القراءات: 2489

اخر الأخبار