شارك
|

أبو أحمد.. عرّاب مقهى النوفرة

تاريخ النشر : 2016-07-21

هنا حيث ليس للزمن تاريخ خارج أيقونة حجارتها، أينما سرت تكون أنت وهو رفيقين في دروبها، تسبق قلبك بخطوة رفقة الحب، ليصلوا بك جميعاً– قلبك، والمكان، والناس، والتاريخ، والحب- حيث تغفو الذاكرة في قلب الشام القديمة “النوفرة”، المقهى العتيق كعتق الألفة التي تشيعها أجواؤه في المكان، “النوفرة” حيثما نظرت من خلاله أو إليه تطالعك ابتسامات بسماوات صافية، واحدة منها تشرق بالـ “أهلا وسهلا” دائماً، وهذه هي ابتسامة السيد صالح الرباط (أبي أحمد- الصورة)، الستيني الذي فتح لنا نافذة قلبه والمكان لنطل على تاريخ دمشقي عريق تجاوز عمره ثلاثة قرون ونصفاً: “عمر مقهى النوفرة أكتر من 350 سنة، ومرت على هدا المكان حكايات وقصص وروايات معشعشة بحيطانو”، قال السيد صالح.

 

أبو أحمد ألف المقهى، حتى أصبح كلاهما جزءاً لا يتجزأ من الآخر، فهو ورثه مع أخيه عن أبيه وجده، والمقهى مسجل في قيود العائلة قبل أن يولد أبو أحمد، تنقّل بين أيديهم كإرث عائلي إنساني ومادي منذ مئة عام، فيه يجد نفسه وهويته: “بعرف حالي خلقان بهالقهوة، كل يوم أنا هون صبح ومسا، ما بعرف اطلع واقعد غير هون”، حتى عندما يغادر الرجل بيته في يوم عطلته من المقهى، فإن مقصده سيكون أحد تلك الدروب التي تأخذه إلى المقهى حتماً، فإما طريق الحميدية، أو طريق مدخل الشام القديمة، أو من خلال ساحة باب توما.

 

المحبة التي يحملها أبو أحمد في قلبه لمقهى الأجداد والعائلة واضحة، كما مفاجأتنا التي ستكون واضحة كبيرة عندما سيحكي لنا أبو أحمد عن كونه كان موظفاً سابقاً في جريدة البعث، وله ذكريات تعود إلى سبعينيات القرن الماضي مع الجريدة التي جلست أمامه باطمئنان.

 

عرّاب النوفرة يجلس منذ أكثر من 50 عاماً في مكانه المعتاد، محاطاً بصور كثيرة تحتفي بدمشق وتاريخها، وخلفه أيضاً وقف القائد سلطان باشا الأطرش، وكأنه يريد أن يعاتب، لكنه لم يهم بذلك بعد.

 

الحرب وأوزارها لم تغيّر شيئاً في هذا المكان، فهو يومياً، كما الرجل، مكتظ بالناس والزوار الذين يعتبرونه مصيفاً وملاذاً بعيداً عن ضجيج الحضارة والحياة: “ما اتغير شي علينا بعد الحرب، زادت الأسعار، بس تسعيرتنا تسعيرة الدولة، لهيك الناس ما تركونا، فرقت معنا عالوجه الأجنبي، كتير قلال صارو، مع ذلك نحنا محبوبين بيحاكونا وبيتطمنو علينا دايماً “.

 

الحضارة بكل مباهجها ومؤثراتها لم تستطع أن تطغى على تاريخ أبي أحمد الذي وضع شاشة كبيرة في مقهاه أسوة بغيره، إلا أنه نسيها نائمة فوق ذاك الجدار الذي تدب فيه الحياة أكثر منها.

 

ذوقه الفني الأصيل جعله يجيبنا بحماسة متقدة ترجمتها حركات يديه: “أنا هون عندي كل شي بدك لمطربين، بس ما بحب غير أم كلثوم، بسمع الها و بس”.

 

إن جل ما يتمناه أبو أحمد أن يبقى هذا المكان الذي يعيل حوالي ثلاثين عائلة، هو موطن أولاده الأصغر الذين يعيشون به ومنه، وأن يكبر أولادهم معه، وفيه يشيخون.

 

لمى نديم ابراهيم . البعث


عدد القراءات: 8745